الفيزياء والكيمياء

رضوان بن محمد الساعاتي – من مشاهير علماء الفيزياء

ملخص المقال

    رضوان ابن الساعاتي من مشاهير علماء الفيزياء العرب؛ حيث قدم بعض الإنجازات العملية المميزة في الفيزياء.. من هو ابن الساعاتي؟ وما هي أهم إنجازاته العلمية؟

رضوان بن محمد بن علي رستم، فخر الدين الخراساني، ابن الساعاتي، مولده ومنشؤه في دمشق، وكان أبوه محمد من خراسان، وانتقل إلى الشام، وأقام بدمشق إلى أن تُوفِّيَ (ت نحو 618 هـ/ نحو 1221م).

كان رضوان فطِنًا ذكيًّا متفننًا فيما يعانيه، حريصًا على العلم الذي يشتغل فيه، جيد الكتابة، خدم الملك الفائز بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وتَوَزَّر له.

وخدم كذلك الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فحُمِد بصناعة الطب، وتَوَزَّر له، وتُوفِّي بدمشق بعلة اليرقان، وكان الملكُ المعظم هذا في بني أيوب كالمأمون في بني العباس؛ يعطف على العلم والعلماء، والأدب والأدباء، فيوليهم الوزارة تكريمًا للعلم.

وكان رضوان طبيبًا فاضلاً، أديبًا شاعرًا، وله معرفة تامة بالمنطق والعلوم الحكمية.

وكان يكتب خطًّا منسوبًا في غاية الجودة، لَقِيَه ياقوت الحموي بدمشق، وحضر مجالسه غير مرة، ترجم له في كتابه؛ حيث بلغه وفاته سنة ثماني عشرة وستمائة، وقد أورد بعضًا من شعره:

وزهرةٌ زاد بالأُتْرُجِّ بهجـُها *** في صُـفرةِ اللون يحكي لونَ مسكينِ
عجبتُ منه فما أدري أصُفْرتُه *** من فُرْقة الغُصْن أم مِن خوفِ سِكِّينِ

وقال:

يحسُدُني قَوْمـي على صَنْعتي *** لأنَّـني بينـهم فـارسُ
سَهِرتُ في ليلي واستنعسوا *** لن يَستوِي النَّاعسُ والدَّارسُ

ومن مصنفاته: كتابه المُسمَّى: “علم الساعات والعمل بها”.

وقد تجلت عبقريته في هذا الكتاب، وأوضح هذا العلم أيَّما إيضاح، فهو يُعرِّف الآلة ويذكر كيف ترتبط بما قبلها وما بعدها، ويذكر مساحتها، وطولها، وعرضها، وغير ذلك مما يطلع عليه قارئ هذا الكتاب، بحيث أصبح بالإمكان عمل ساعة مثل التي صنعها والده، وألَّف هو فيها هذا الكتاب.

أما والد محمد، فقد كان -كما يذكر ابن أبي أصيبعة- أوحد زمانه في معرفة الساعات وعلم النجوم، وهو الذي عمل الساعات (الساعة) التي عند باب الجامع الأموي الشرقي بدمشق، صنعها في أيام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي.

وكان له منه الإنعامات الكثيرة والجامكية(1) والجراية؛ لملازمته الساعات (الساعة).

فقد كان نور الدين هذا محبًّا للعمران، محبًّا للعلم والعلماء، فتح صدر دولته للعلماء والأدباء والفنانين، فوفدوا إلى دمشق من كل قُطر، وكان منهم المهندس الميكانيكي محمد بن علي الخراساني الذي أسندت إليه إدارة الساعات (الساعة) التي كانت في دمشق، وقد أدخل عليها تحسيناتٍ، وزاد في آلاتها زياداتٍ ذاتَ شأن، وآلت إدارة هذه الساعات (الساعة) بعد وفاته إلى عدد من المهندسين، عجزوا -كما يقول رضوان صاحب الترجمة- عن إدارتها، وأفسدوا آلاتها، واستمر الحال كذلك حتى ألزمه الملك العادل بتسلُّمها وإعادة حركاتها التي فسدت إلى الصلاح والتقويم، فامتثل أمرَه، فتسلَّمها وليس فيها آلة واحدة كما يُحب؛ فأصلح آلاتها وجدَّدها، وعدل حركاتها وقوَّمها، وأعادها إلى ما كانت عليه من حسن الترتيب، وهذَّبها حسب ما يستحقه قانون التهذيب، فكانت كأنها من قد عاش بعد الموت، أو عاد بعد الفوت، وزاد فيها أشياء حسنة، وقد وصفها في كتابه “علم الساعات والعمل بها”، الذي فرغ من تهذيبه وتصنيفه في محرم الحرام سنة ستمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

هذا، وقد وصف ابن جبير هذه الساعات (الساعة)، وقد شاهدها إبَّان رحلته، بقوله: “وعن يمين الخارج من باب جيرون(2) في جدار البلاط الذي أمامه غرفةٌ، ولها هيئة طاق كبير مستدير، فيه طيقان صُفْر -أي: من نُحاس- قد فُتِّحتْ أبوابًا صغارًا على عدد ساعات النهار، ودُبِّرت تدبيرًا هندسيًّا، فعند انقضاء ساعة النهار تسقط صنجتان من صُفْر من فمي بازِيَيْن مصورين من صُفْر قائمين على طاستين من صُفْر، تحت كلِّ واحد منهما، أحدهما: تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني: تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان؛ فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين، ويقذفانِهما بسرعة، بتدبير عجيب تتخيَّله الأوهامُ سِحرًا، وعند وقوقع البندقتين في الطاستين يُسمع لهما دويٌّ وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلَوْح من الصُّفر لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار، حتى تنغلق الأبواب كلها، وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول.

ولها بالليل تدبير آخر؛ وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشْرة دائرة من النحاس مخرَّمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مُدَبَّر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عَمَّ الزجاجةَ ضوءُ المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعُها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل، وتحمرُّ الدوائر كلها، وقد وُكِّل بها في الغرفة متفقِّد حالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصَرْف الصنج إلى موضعها، وهي التي يسميها الناس -أي: الناس في المغرب- المِنْجانة”.

المصدر: شبكة الألوكة.


(1) الجامكية (ج جوامك): كلمة فارسية مركبة من “جامه”، بمعنى قيمة، و”كي” أداة نسبة، فعربت إلى جامكية بمعنى: مرتب.
(2) هو الباب الثاني للمسجد الأُموي، أما الباب الأول، فهو الدار الخضراء مقرُّ الخلفاء الأُمويين، الذي كان يسمى باب الساعات (الساعة) الأول، وكان للمسجد أربعة أبواب، وقد سمِّي باب جيرون أيضًا؛ إذ صار له مكانتُه وصدارتُه إثر الحريق الذي أتى على الدار الخضراءِ برمَّتها.

السابق
أبو الريحان البيروني – فيزيائي وعالم موسوعي
التالي
ابن خرداذبة