فتح الهند

الهند في عهد دول الخلافة المختلفة

ملخص المقال

    مشكلات المسلمين في الهند كثيرة ومعقدة فقد ظل في الهند بعد التقسيم حوالي مائة وخمسون مليون مسلم يعانون أشد أنواع الاضطهاد من الهندوس

دخول الإسلام الهند

عندما ظهر الإسلام أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك “ماليبار” في عام (7هـ = 628م) رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام, ويُرْوَى أن “تشيرمان برمال” ملك “كدنغلور” قد زار النبي صلى الله عليه وسلم، كما وصلت إلى بلاد “ماليبار” جماعة من الدُّعاة المسلمين العرب، على رأسهم مالك بن دينار وشرف بن مالك، ونزلوا في مدينة “كدنغلور”، ثم جابوا جميع أنحاء كيرالا داعِينَ إلى الإسلام وبنوا العديد من المساجد[1].

ومع ازدياد الحركة التِّجاريَّة بين شبه الجزيرة العربية وشبه الجزيرة الهندية في صدر الإسلام كان للتجار المسلمين الفضل في نشر الإسلام من خلال معاملاتهم بأمانة وصدق مع أهل هذه البلاد, حيث وَجَدَ الإسلام في الهند أرضًا خصبة سهلة، فأصبح في كل ميناء أو مدينة اتَّصل بها المسلمون جماعة اعتنقوا الإسلام، وأقاموا المساجد، وباشروا شعائرهم في حُرِّيَّة تامَّة لمَّا كان للمسلمين والعرب في ذلك الوقت من منزلة عند الحُكَّام باعتبارهم أكبر العوامل في رواج التجارة الهندية التي كانت تدرُّ على هؤلاء الحكام الدخل الوفير[2].

محاولات لفتح الهند في عهد الراشدين

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدأ التفكير في فتح هذه البلاد ونشر الإسلام بين ربوعها، فيقول البلاذري: “ولَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عثمانَ بن أبي العاص الثقفي البحرين وعمان سنة 15هـ، فوجَّه أخاه الحكم بن أبي العاص إلى البحرين، ومضى إلى عمان، فأقطع جيشًا إلى “تانه”[3]، فلمَّا رجع الجيش كتب إلى عمر يُعْلِمُه ذلك، فكتب إليه عمر: يا أخا ثقيف، حملت دودًا على عود، وإني أحلف بالله أن لو أُصِيبُوا لأخذتُ من قومِكَ مثلهم. ووجَّه الحكمَ أيضًا إلى “بروص”[4] ووجَّه أخاه المغيرة بن أبي العاص إلى خَوْرِ الدَّيْبُل فظَفِر به[5]، ويبدو من كتاب عمر لعثمان بن أبي العاص أنه كان يخشى على المسلمين من ركوب المجازفة بركوب البحر, رغم حرصه الشديد على نشر الإسلام في كل بقاع الأرض.

وعندما تولَّى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة, وولَّى عبدَ الله بن عامر بن كُرَيْزٍ على العراق كتب إليه يأمره أن يوجِّه إلى ثغر الهند مَن يَعْلَمُ عِلْمَهُ، وينصرف إليه بخبره، فوجَّه حُكَيْمَ بن جبلة الْعَبْدِيَّ، فلما رجع أوفده إلى عثمان، فسأله عن حال البلاد، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفتها وخبرتها. فقال: فصِفْهَا لي قال: ماؤها وَشَلٌ[6]، وثمرها دَقَلٌ[7]، ولصُّها بطل، إن قلَّ الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعوا. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خابر. فلم يَغْزُها أَحَدٌ.

وفي خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه توجَّه إلى ذلك الثغر الحارثُ بن مُرَّة العَبْدِيُّ متطوِّعًا بإذن عليٍّ، فظَفِر وأصاب مغنمًا وسبيًا، وقسم في يوم واحد ألف رأس[8].

أما في الخلافة الأموية فقد أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما المهلَّب بن أبي صُفْرَة على رأس جيش عام 44هـ، فغزا منطقة السند, وقاتل قتالاً شديدًا[9].

وكانت كلُّ هذه المحاولات محاولات غير منتظمة، ذلك يرجع إلى انشغال الخلفاء الراشدين بمواجهة أقوى دولتين- في ذلك الوقت- وهما الدولة الفارسية والدولة البيزنطية.

فاتح السند

محمد بن القاسم فاتح إقليم السندوبدأت المحاولات الفعلية لفتح الهند في خلافة عبد الملك بن مروان (65 – 86هـ)، بعدما ولَّى الحجاجَ بن يوسف الثقفي أمْرَ المشرق، فأرسل إلى السند “مُجَّاعَة بن سِعْرٍ التميمي” عاملاً على ثغر السند فاستطاع فتح بعض المناطق، ووافاه الأجل قبل مرور عام، وفي هذه الأثناء اختَطَف القراصنة الهنودُ بعضَ النساء المسلمات، فطلب الحجاج من ملك السند “داهر” تسليم هذه النساء، ولم يقدر ” داهر” ملكُ الهند على استردادهن، وقد استغاثت إحداهن بالحجاج، فلبَّاها.

إلاَّ أن بعضًا من كتب التاريخ تتحدث عن سبب آخر؛ وهو أن جماعة من بني هاشم فرُّوا من ظلم الحجاج متَّجهين للسند، فأرسل إلى ملكها ليردَّهم، لكنه لم يظْفَر بما يريد، وأيًّا كان السبب فقد أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي بعض قوَّاده لهذه البلاد، لكنه فشل في مهمته، فوجَّه ابنَ أخيه محمد بن قاسم الثقفي سنة 92هـ، وقد أظهر مهارة فائقة في مواجهة العدُوِّ، فنزل بالدَّيْبُل[10]، وكان بها صنمًا كبيرًا فهدمه، وهزم عامل “داهر” ثم بنى بها مسجدًا، ثم تابع سيره فأخضع كلَّ البلاد التي تقع تحت سيطرة داهر، ثم خرج داهر لمواجهة الجيش المسلم، وانتهت المعركة بقتله، وبعدها اتَّجه محمد بجيشه نحو الشمال يريد “الرور”، فقاتله أهلها، لكنهم انهزموا في النهاية، فكانت هذه إيذانًا بانتشار الإسلام في الهند[11].

وانتهى دَوْرُ محمد بن القاسم في الهند حين تولَّى سليمان بن عبد الملك الخلافة سنة 96هـ عندما عزله واستدعاه.

الأمويون يواصلون الفتوحات

وفي خلافة عمر بن عبد العزيز (99 – 101هـ) انتهج نهجًا مغايِرًا في فتح الهند؛ فقد كتب لملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يُمَلِّكهم بلادهم، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وقد كانت سيرته بَلَغَتْهُم، فأسلم “جيشيه بن داهر”، وقد تَسَمَّى ملوك الهند المسلمين بأسماء العرب، وأُبْقِيَ ملوك السند المسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد بن عبد الملك[12].

ونشطت حركة الجهاد في عهد هشام بن عبد الملك (105 – 125هـ)، ومن ثَمَّ كان لها أثرها الإيجابي في توطيد الأوضاع في بلاد السند؛ فقد أرسل هشام بن عبد الملك، الجُنَيْد بن عبد الرحمن المري فقام بإخضاع إقليم السند والكَجَرَات بالطمأنينة والأمن وكان ذلك عام 107هـ، ثم عُيِّن خالد بن عبد الله القسري واليًا على بلاد الهند، فأحيا الجهاد في الهند، وقضى على الفتن، واستقرَّت الأوضاع بفضل سيرته الحسنة، وفي عام 122هـ تولَّى ولاية السند عمرو بن محمد بن القاسم، فكان من أعماله بِناء مدينة المنصورة لتكون حصنًا للمسلمين عند أي هجوم من الأعداء، وكانت لعمرو بن محمد بن القاسم أعمال حميدة، وتمتَّع بمحبة أهل السند لشهرة أبيه فاتح السند[13].

العباسيون يكملون مشوار الفتوحات

وفي بداية الخلافة العباسية تحمَّس الخلفاء لمواصلة الفتح الإسلامي للهند؛ إلا أنَّ هذا الاهتمام كان متفاوتًا من خليفة لآخر تَبَعًا لسيطرته على الدولة.

حيث أرسل السفاح (132 – 136هـ) إلى السند منصور بن جَهْوَر فملكها، ثم ثار فيها عليه، فبعث له موسى بن كعب[14] عام 134هـ، فأخذها منه وفرَّ منصور، واتَّجه إلى الصحراء فمات عطشًا، وبقي موسى بن كعب واليًا على السند حتى تُوُفِّيَ[15].

وعندما جاء المنصور (136 – 158هـ) إلى سُدَّة الحُكْمِ، اهتمَّ بالهند اهتمام أخيه السفاح، إلا أن عُيَيْنَة بن موسى بن كعب قد خلع الطاعة، فأرسل له أبو جعفر المنصور قوَّة بإمرة عمرو بن حفص بن أبي صُفْرَة، فتَمَكَّن عمرو من قهر عُيَيْنة، وتسلَّم ولاية السند والهند، حتى وُلِّي مكانه عام 157هـ هشام بن عمرو التغلبي[16] وتابع عمرو بن جمل الفتوح زمن الخليفة المنصور؛ فقد كان عمرو قائد الجيش الذي فتح “كشمير“، و”المُلْتَان”[17]، وأصبح عمرو بن جمل والي منطقة “نارند”، وكان المسلمون يهدمون الأصنام، ويبنون المساجد، ويُحْسِنون إلى الناس، وقد أحسَّ الناس بفضل الله عليهم مع قيام حكم المسلمين، ولقد استمرَّ حكم المسلمين للسند مدَّة واستقر أمرهم فيها.

وفي عام 174هـ بعث هارون الرشيد (170 – 193هـ) إسحاق بن سليمان الهاشمي فمات، فولَّى مكانه ابنه يوسف بن إسحاق، ثم عزله، وولى طيفور بن عبد الله بن المنصور الحميري، ثم جابر بن الأشعث الطائي، ثم ولَّى الرشيدُ على ثغر السند عام 184هـ بعد أن فشل الذين تولَّوْا هذه المهمَّة داود بن يزيد بن حاتم المهلبي فاستقام الأمر، وبقي حتى تُوُفِّيَ عام 205هـ، وفي عام 240هـ في عهد الخليفة المتوكَّل وثب على حكم السند عمر بن عبد العزيز الهَبَّاري، وأطاعه الناس فرَضِيَ عنه المتوكِّل، وأقرَّه[18].


[1] عدنان علي رضا النحوي: ملحمة الإسلام في الهند ص36 بتصرف.

[2] عبد المنعم النمر: السابق ص60، وملحمة الإسلام في الهند ص33-43.

[3] تانه: تقع شمال مدينة بومباي على بعد نحو 15 ميلاً، وتقع على بحر العرب.

[4] بروص: تقع شمال مدينة سورت بينها وبين نهر نريدا، وكانت ميناء قديمة، لكنها فقدت أهميتها مع الزمن.

[5] البلاذري: فتوح البلدان، 3/530.

[6] الوشل: القليل، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة وشل 11/725.

[7] الدقل: الرديء، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة دقل 11/246.

[8] البلاذري: فتوح البلدان، 3/531.

[9] السابق نفس الصفحة.

[10] الديبل: مدينة بالقرب من كراتشي، لكنها اندثرت الآن.

[11] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند ص73-75 بتصرف.

[12] ابن الأثير: الكامل في التاريخ2/386.

[13] السابق، 2/504-505.

[14] موسى بن كعب بن عيينة التميمي: من كبار قواد الدولة العباسية الذين رفعوا عمادها، وقد ولي الهند ومصر، وتوفي عام 141هـ.

[15] محمود شاكر: موسوعة التاريخ الإسلامي، 5/80، 81.

[16] السابق: 5/119 بتصرف.

[17] ملتان: مدينة باكستانية تقع في الجزء الجنوبي من محافظة البنجاب.

[18] السابق: 7/216 بتصرف.

السابق
قصة الإسلام في الهند
التالي
الخلافة الإسلامية وشبه القارة الهندية