المجتمع في الإسلام

آداب الكسب و المعاش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

آداب الكسب و المعاش:

1.على التاجر أن يبدأ تجارته بنوايا طيبة:

التاجر يجب أن يبدأ تجارته بنوايا طيِّبة، من هذه النوايا أن يقصد الكَفَّ عن السؤال – عن سؤال الناس – من هذه النوايا أن يكفَّ عن التطلٌّع لما عند الناس، من هذه النوايا أن يقصد خدمة المسلمين، من هذه النوايا أن يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و أن يبني علاقاته مع الناس على الإحسان وعلى العدل، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى في تجارته، إذا فعل ذلك كانت هذه التجارة جُزءاً من عمله الصالح .

2. أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات :

أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات لأن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق .

3. ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة :

شيءٌ مهم جداً، عليه إقبال شديد، عليه ضغط، بضاعته رائجة، محلِّه في مكان حسَّاس، انشغاله في البيع والشراء، أو انشغاله في المكاسب الدنيويَّة أخَّرته عن المكاسب الأخرويَّة، إذا فعل ذلك فقد وقع في فخِّ الشيطان . .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)

[سورة المنافقون : 9]

فألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، للآخرة سوق وللدنيا سوق، وأسواق الآخرة المساجد، المساجد أسواق الآخرة، بها تتعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى، وبها يزداد علمك، وتزداد رؤيتك وضوحاً، ويزداد قربك، لذلك من علامات المؤمن أنه لا تشغله الدنيا عن الآخرة ربنا عزَّ وجل قال :

(رِجَالٌ)

[سورة النور: 37]

كلمة رجالٌ لا تعني ذكراً بل تعني بطلاً، ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس :

” ما سمعت حديثاً من رسول إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى، ولا صلَّيت صلاةً فشغلّت نفسي بغيرها حتَّى أقضيها، ولا سرت في جنازةٍ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتَّى انصرف منها “

ربنا عزَّ وجل قال :

(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)

[سورة النور: 37]

لا تلهيهم، للتجارة وقتٌ وللعبادة وقتٌ، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . .

4. أن يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق :

إذا الإنسان كان في السوق في محلِّه التجاري، في عمله، في وظيفته وذكر الله عزَّ وجل، ذكر آية لشخص، شرح له حديثاً، ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى، قال : سبحان الله، سمع قصَّة فيها موعظة قال : لا حول ولا قوَّة إلا بالله، فالإنسان ما دام وهو في مكان عمله يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى :

(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)

[سورة المعارج: 23]

كيف يداوم على صلاته ؟ هناك خمس صلوات، هذه الآية حُمِلَت على أن قلبهم ملتفتٌ إلى الله سبحانه وتعالى طوال نهارهم، فهذا المؤمن وهو في السوق يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى .
قال عليه الصلاة والسلام :

مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ

[الترمذي عن عمر بن الخطاب]

لا إله إلا الله أي لا رازق إلا الله، لا ينبغي أن تحلف كذباً، لا ينبغي أن تُدَلِّس، لا ينبغي أن تَغُش، لا ينبغي أن تكتم عيباً، لا ينبغي ألا تنصح المسلمين، لا إله إلا الله، لا رازق إلا الله .
وقال الحسن رضي الله عنه:

ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوءٌ كضوء القمر، وبرهانٌ كبرهان الشمس، ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله

إذا كان محلِّه في مكان مزدحم له مغفرة كبيرة، سيدنا عمر كان إذا دخل السوق قال:

اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفسوق، ومن شرِّ ما أحاطت به السوقُ، اللهمَّ إني أعوذ بك من يمينٍ فاجرة وصفقةٍ خاسرة

إذا إنسان غير موفَّق الله سبحانه وتعالى يريه أن هذه البضاعة ممتازة، وسوف يربح منها أرباحاً طائلة، فإذا اشتراها نفر الناس منها، وبقيت في مستودعه لا تباع ولا تشترى، عندئذٍ ربنا عزَّ وجل قال :

(وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا)

[سورة التوبة: 24]

فأصعب شيءٍ في حياة التاجر أن يدخل إلى دكَّانه أو إلى مستودعه فيرى البضاعة قد مضى عليها سنوات ولا يسأله عنها أحد . .

(وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا)

[سورة التوبة: 24]

المؤمن الله عزَّ وجل يلهمه البضاعة الرائجة، والبضاعة غير الرائجة يصرفها عنه، لا يوجد هنا ذكاء بينهما، تجد تاجراً عريقاً بالتجارة، له أربعون سنة بالتجارة، يشتري صفقة فيفلِّس منها، فسيدنا عمر كان يقول:

اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة

قال عليه الصلاة والسلام:

التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء

[الدارمي عن أبي سعيد]

أنا أقول لكم هذا الكلام : التاجر الذي يخشى الله سبحانه وتعالى، يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله، عنده هذه البضاعة اشتراها بعشرة ربحه فيها ليرتان صارت اثني عشر، جاءه شخص بحاجة ماسَّة لها، لو طلب خمسين سيدفع له ثمنها، قال له : اثنا عشر، هذا التاجر لا يمكن أن يخوِّفه الله من جهة ثانية، لا يمكن أن يخوِّفه الله عزَّ وجل من جهة أرضيَّة، تجده لا يخاف، أما إذا جاءه شخص بحاجة فاستغلَّ حاجته أبشع استغلال وضاعف السعر، في اليوم الثاني له حساب، يأتي له شخص يجعله يرجف، طبعاً أنت لم تخف الله عزَّ وجل بينك وبينه فخوَّفك من عباده، من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء .

5. ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة :

فيما يدعو لشفقة التاجر على دينه وهو في السوق ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، وذلك بأن يكون أول داخلٍ وآخر خارجٍ، الآن من نعم الله أنه يوجد تحديد للدوام، لكن قبل التحديد تجد السوق للساعة الحادية عشرة، الثانية عشرة، والنساء في البيت وحدهن، كل زوجة لها حق، لا يجعل واحداً يتأخَّر عنه، يظل بالسوق لآخر الوقت، أول إنسان يفتح، قال : هذا مكروه، عن عمرو بن العاص يقول:

” لا تكن أول داخلٍ في السوق ولا آخر خارجٍ منها، فإن بها باض الشيطان وفرَّخ “

الذي يدخل أول واحد ويخرج آخر واحد، إبليس يقول لزبانيَّته : سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق، زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ، وفي الخبر: شرُّ البقاع الأسواق، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً .

6. ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات :

عندنا حرام وعندنا شبهات، إذا الإنسان ترك الحرام لابأس به، لكن هناك شيئاً آخر وهو ترك الشبهات، ومظان الريب، ولا ينظر إلى الفتاوى، يا أخي توجد فتوى أن البيع ولو مع الدين لا شيء عليه، فلان وفلان أنت أفهم منهم ؟ لا، لست أفهم منهم، قال : المؤمن الصادق لا يقبل الفتاوى التي نُقِلَت إليه التي فيها إباحة لبعض المنهيات، فأنا كلَّما سألني إنسان شيئاً أقول له: تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجودة، أي معصية لها فتوى، إنسان ضيع خمسين ليرة ذهباً، فدعا الله : يا رب أدعو ألا يجدها شيخ، قال له : لماذا ؟ قال له : سيؤول فتوى ويأخذها، الفتوى موجودة أما التقوى فهذه غير سهلة، فأي معصية تريد أن تقترفها توجد لها فتوى، لكن إذا كنت تريد التقوى، تريد مرضاة الله، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك .
الإمام الغزالي يقول:

ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات، ومظان الرِيَب، ولا ينظر إلى الفتاوى

وقال صلى الله عليه وسلم:

ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجةِ الإسلام

[ورد في الأثر]

7. أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه :

الأشياء التي يحترز بها التاجر على دينه أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه، قال : فإنه مراقبٌ ومحاسب، فليعدَّ الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلةٍ وقولةٍ لماذا قالها ؟ ولماذا فعلها ؟ ولأجل ماذا ؟ قال : فإنه يقال: إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه في الدنيا، إذا عندك بيع في اليوم حوالي خمسين أو ستين زبوناً على أربعين سنة أعانك الله، واحد واحد، قلت له : هذه البضاعة لا يوجد منها وهي يوجد منها لكي يشتري على الفور، إذا قلت له : هذه البضاعة أصليَّة و كانت ليست كذلك تعال إلى الحساب، وبعدها أتى الزبون الرابع أنت قلت له : إن هذه البضاعة تصنيع محلي وهي فيها عيب وأنت لم تظهره، أبداً، كم زبون بعت في حياتك ؟
يُحْشَر الأغنياء أربع فرقٍ يوم القيامة :

فريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام

أهون حساب حسابه . . يقال : خذوه إلى النار، لا يوجد ازدحام، ولا طوابير، على الفور خذوه إلى النار،

فريقٌ جمع المال من حرامٍ . . عنده ملهى . . وأنفقه في حلال

فيقال : خذوه إلى النار . . حسابه سريع . .

فريقٌ جمع المال من حلالٍ . . تجارة شرعيَّة . . وأنفقه في حرام . . على المعاصي . .

فيقال: خذوه إلى النار،

فريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال

فيقال : قفوه فاسألوه، هذا سيحاسب، حلال بحلال قفوه فاسألوه ؛ هل قصَّر في حقِّ جيرانه؟ هل قصَّر في حق من حوله؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته من بيننا فقصَّر في حقِّنا؟ هل ترك فرض صلاةٍ؟ هل سها على عباد الله؟ عنده ملايين الأسئلة، النبي الكريم من بلاغته المعجزة قال:

فتركته يُسْأل ويُسْأل

عمله طويل لا ينتهي بيومين أو ثلاثة .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 19 : آداب الكسب والمعاش – آداب التعامل في الأسواق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-02-09

السابق
الحق و الباطل
التالي
التأدب بآداب الإسلام